ابن رشد

132

تهافت التهافت

إن الأول لا يعقل إلا ذاته ، وأن الذي يليه إنما يعقل الأول ولا يعقل ما دونه ، لأنه معلول ، ولو عقله لعاد المعلول علة ، واعتقدوا أن ما يعقل الأول من ذاته فهو علة لجميع الموجودات ، وما يعقله كل واحد من العقول التي دونه : فمنه ما هو علة لذاته وهو العقل الإنساني بجملته . فعلى هذا ينبغي أن يفهم مذهب الفلاسفة في هذه الأشياء ، والأشياء التي حركتهم إلى مثل هذا الاعتقاد في العالم ، فإذا تؤملت فليست بأقل إقناعا من الأشياء التي حركت المتكلمين من أهل الملة ؛ أعني المعتزلة أولا والأشعرية ثانيا ، إلى أن اعتقدوا في المبدأ الأول ما اعتقدوه . أعني أنهم اعتقدوا أن هاهنا ذاتا غير جسمانية ، ولا هي في جسم ، حية عالمة مريدة قادرة متكلمة سميعة بصيرة ، إلا أن الأشعرية دون المعتزلة اعتقدوا أن هذه الذات هي الفاعلة لجميع الموجودات بلا واسطة ، والعالمة لها بعلم غير متناه ، إذ كانت الموجودات غير متناهية ، ونفوا العلل التي هاهنا ، وأن هذه الذات الحية العالمة المريدة السميعة البصيرة القادرة المتكلمة موجودة مع كل شيء ، وفي كل شيء ؛ أعني متصلة به اتصال وجود . وهذا الوضع يظن به أنه تلحقه شناعات ، وذلك أن ما هذا صفته من الموجودات فهو ضرورة من جنس النفس ، لأن النفس هي ذات ليست بجسم ، حية عالمة قادرة مريدة سميعة بصيرة متكلمة ، فهؤلاء وضعوا مبدأ الموجودات نفسا كلية مفارقة للمادة من حيث لم يشعروا . وسنذكر الشكوك التي تلزم هذا الوضع ، وأظهرها ، على القول بالصفات ، أن يكون هاهنا ذات مركبة قديمة ، فيكون هاهنا تركيب قديم ، وهو خلاف ما تضعه الأشعرية من أن كل تركيب محدث لأنه عرض ، وكل عرض عندهم محدث . ووضعوا مع هذا جميع الموجودات أفعالا جائزة ، ولم يروا أن فيها ترتيبا ولا نظاما ولا حكمة اقتضتها طبيعة الموجودات ، بل اعتقدوا : أن كل موجود فيمكن أن يكون بخلاف ما هو عليه ، وهذا يلزمهم في العقل ضرورة ، وهم مع هذا يرون في المصنوعات التي شبهوا بها المطبوعات نظاما وترتيبا . وهذا يسمى حكمة ، ويسمون الصانع حكيما . والذي أقنعوا به في أن في الكل مثل هذا المبدأ هو أنهم شبهوا الأفعال الطبيعية بالأفعال الإرادية ، فقالوا : كل فعل بما هو فعل فهو صادر عن فاعل مريد